ابن قتيبة الدينوري

124

الشعر والشعراء

وأنا يومئذ غلام حافظ : أنّ امرأ القيس كان عاشقا لابنة عمّ له يقال لها عنيزة ، وأنّه طلبها زمانا فلم يصل إليها ، حتى كان يوم الغدير ، وهو يوم دارة جلجل . وذلك أنّ الحىّ احتملوا ، فتقدّم الرجال وتخلَّف النساء والخدم والثقل ( 1 ) ، فلمّا رأى ذلك امرؤ القيس تخلَّف بعد ما سار مع رجّالة ( 2 ) قومه غلوة ( 3 ) ، فكمن في غيابة ( 4 ) من الأرض حتّى مرّ به النساء وفيهنّ عنيزة ، فلما وردن الغدير قلن : لو نزلنا فاغتسلنا في هذا الغدير فذهب عنّا بعض الكلال ، فنزلن في الغدير ونحّين العبيد ، ثم تجرّدن فوقعن فيه ، فأتاهنّ امرؤ القيس وهنّ غوافل ، فأخذ ثيابهنّ فجمعها وقعد عليها ، وقال : والله لا أعطى جارية منكنّ ثوبها ولو ظلَّت في الغدير يومها حتّى تخرج متجّردة فتأخذ ثوبها ! فأبين ذلك عليه ، حتّى تعالى النهار ، وخشين أن يقصّرن عن المنزل الذي يردنه ، فخرجن جميعا غير عنيزة ، فناشدته الله أن يطرح إليها ثوبها ، فأبى ، فخرجت ، فنظر إليها مقبلة ومدبرة ، وأقبلن عليه فقلت له : إنّك قد عذّبتنا وحبستنا وأجعتنا ! قال : فإن نحرت لكنّ ناقتي تأكلن منها ؟ قلن : نعم فخرط سيفه فعرقبها ونحرها ثم كشطها ، وجمع الخدم حطبا كثيرا فأجّجن نارا عظيمة ، فجعل يقطع لهنّ من أطيبها ويلقيه على الجمر ، ويأكلن ويأكل معهنّ ، ويشرب من فضلة خمر كانت معه ويغنيهنّ ، وينبذ إلى العبيد من الكباب ، فلما أرادوا الرحيل قالت إحداهن : أنا أحمل طنفسته ، وقالت الأخرى : أنا أحمل رحله وأنساعه ، فتقسّمن متاع راحلته وزاده ، وبقيت عنيزة لم يحمّلها شيئا ، فقال لها : يا ابنة الكرام ! لابدّ أن

--> ( 1 ) الثقل ، بفتحتين : متاع المسافر وحشمه . ( 2 ) الرجالة : الذين ليس لهم ظهر يركبونه في السفر . ( 3 ) الغلوة : قدر رمية بسهم ، والفرسخ التام خمس وعشرون غلوة . ( 4 ) الغيابة من الأرض : المنهبط منها ، وغيابة كل شئ قعره ، كالجب والوادي وغيرهما . وفى الأغانى « غابة » ولعله تحريف .